محمود المعتصم: الثورة السودانية هي الإجابة على فشل الربيع العربي (نص المقابلة)

مقابلة مع (وكالة مصدر للأنباء)

مرت قبل أيام الذكرى الأولى للحراك الثوري في السودان، الذي اندلعت شرارته منتصف شهر دجمبر من العام 2018 ، والذي شهد عدة مراحل متباينة من حيث الوهج الثوري والمد الجماهيري والتصعيد الميداني إلى تدخل الآلة العسكرية لإجهاض الحراك وقتل الأصوات التي عمت أرجاء السودان بشعار واحد هو “تسقط بس”.

وهو ما تحقق بالفعل حيث رحل البشير بعد 30 عاما من حكم السودان.

الدكتور محمود المعتصم

في هذه الإطلالة ، نحاول في “وكالة مصدر للأنباء” تتبع المسار الثوري والسياسي لمعرفة ما آلت إليه الأمور هناك ..

ونحن سعداء بالمناسبة لإجراء هذه المقابلة الاستقصائية مع أحد الكوادر الشبابية الفاعلة في المشهد السوداني، وهو الدكتور : محمود المعتصم عضو الحركة الوطنية للحريات والعدالة (حماية) المقيم حاليا في الولايات المتحدة.

نص المقابلة : 

  1. يقولون أن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي ، قطار الربيع العربي لم يتحرك باتجاه السودان والجزائر إلا متأخراً ، : كيف كانت الشرارة بالنسبة للشارع السوداني ؟

الإجابة: الحقيقة هي أن الربيع العربي وقطاره جاؤوا متأخرين حسب مزاج الشعب السوداني. انظر جيدا: الثورات التي تطيح بالأنظمة العسكرية في يوم واحد وعبر شرعية التظاهر فقط، لم تمر أبدا على المجتمع السوداني. بدأنا مباشرة من مرحلة “الثورة الماركسية”. في الخمسينات أسس عبد الخالق محجوب وثلة من أنبل الماركسيين السودانيين الحزب الشيوعي. وكانت ثورة أكتوبر صنيعة شيوعية أفريقية، أقول أفريقية لأنها اعتمدت استبصارات من “عموميات الماركسية” كما يحلوا لعبد الخالق أن يقول، وذهبت بها في المجتمع الحديث على الرأسمالية بعيدا. ثورة أكتوبر كانت تجربة في الإضراب العمالي السياسي المدعوم بهبة جماهيرية.

وتلك كان من نتائجها أن كانت “جبهة الهيئات” العمالية إحدى ألوية الثورة المنتصرة. وأظهرت الحزب الشيوعي كقوة تأسيسية وإن كانت ضعيفة انتخابيا (يعرف أعداء الحزب موقعه أكثر من مراقبي نتائج الانتخابات، ولذلك كانت هجمتهم المركزة عليه وعلى جبهة الهيئات).

عندما جاء الربيع العربي باستراتيجيته الغربية (مزاج التظاهر الساذج، هو مزاج غربي). نظر له السودانيون كشيء دخيل غريب وبدونية. لا يعرف أخوتنا أننا شعب له من العنجهية والنرجسية الجماعية الكثير. وأنا أحب هذه الروح بصراحة. لكن عموما وقتها كنت من الشباب المنبهر بالربيع العربي وكان الناس، غمار الناس، يردون علينا: لقد جربنا ذلك. ويقصدون ربما ثورة أبريل 1985. وهي ثورة تقهقرية بمعايير ثورة أكتوبر.

قراءة ما جرى في السودان كامتداد للربيع العربي تغفل أيضا حقيقة أننا سبقنا النخبة العربية في تفاجئها بحجم الإسلام السياسي. وبنتائج وصوله للسلطة. وبشكل المجتمع الذي تحفل بمضمونه عقلية الإسلاميين. كل ذلك نحن مررنا به سلفا.

الثورة السودانية ثورة متقدمة على الربيع العربي. ومجتمعنا وصل مرحلة من النضج السياسي (بما فيه نضج الديكتاتورية الإسلامية، التي أصبحت مكونا عسكريا مدنيا شديد الصلابة بتحالفات وحشية مهددة وجوديا للمجتمع، ثم بنضجها في شكل المعارضة الإسلامية للنظام الإسلامي نفسه، بما يشمل المعارضة في الأفكار وانتشار مناهج التجديد والتحديث في الفكر الإسلامي نفسه) تطلبت عملا أكثر جذرية. وكان أن قدم المجتمع على مدى ستة شهور تجربة قاعدية (لجان أحياء – نقابات – حراك نسوي) وتجربة نظرية (تبني خط النضال السلمي بصورة راديكالية) لم تصل لها المجتمعات العربية بعد. أنا لست في مجال تفاخر. العمال يقول ماركس لا وطن لهم، وأنا لا وطن لي بمعنى من المعاني، ما أقوله هو بأن تجربة الثورة السودانية هي الإجابة على فشل الربيع العربي، كم أتمنى أن ينجح الإخوة في مصر في تكرارها. هي الشعوب تتحرك خطوات مرة تلو الأخرى، ما أتوقعه من الثورة المصرية القادمة هو تقديم النموذج الماركسي في كيفية تحطيم جيش الطبقة البرجوازية وبناء منظومة عسكرية وطنية كما فعل الإيرانيون. هذه نحن لم ننجح فيها بعد.

 

  1. تميزت النسخة الأولى للربيع العربي بأنها كانت عفوية ، لكن الحالة السودانية تميزت بحراك ثوري منظم وغير عفوي بحسب مراقبين : كيف استطاع الحراك أن يحظي بثقة الشارع وإجماع القوى السياسية المدنية ؟

 

الإجابة: هي التنظيم المادي للناس. على شعوبنا أن تؤمن بالمعادلة التالية: المجتمع = الطبقة السياسية + المجتمع المدني. المجتمع المدني هو مجموع التنظيمات المادية للناس: النقابات، لجان الأحياء، الحركة النسوية، اتحادات الطلاب إلخ. حيث ينتظم الناس على خط المادة المباشر، كل من له مصلحة مع الآخر ينتظم معه عضويا وعلى خط مطالب معينة مادية. الأفراد في الحي قد يفرقهم العرق والمزاج الليبرالي أو الإسلامي، لكن تجمعهم وشيجة أن المدرسة الجيدة ستمنح أطفالهم مستقبلا أفضل. هذه التنظيمات هي أساس قدرة المجتمع للدفاع عن نفسه. وهي حسب التنظير الماركسي، مؤسسات طبقية، يحدث في داخلها التحالف الضروري بين البرجوازية الصغيرة والطبقة الكادحة. القيادة في مرحلتها الأولى تذهب للبرجوازية الصغيرة، والمشقة في النضال المباشر تغذيها البروليتاريا. لكن للتحالف هدف نهائي هو الديمقراطية التي هي في النهاية وسيلة الكادحين لقلب موازين القوى. سمى هذه المرحلة الشهيد عبد الخالق محجوب “مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية”. وبالتأكيد إن تركت الأمور لتلقائيتها فالبرجوازية الصغيرة لن تتنازل عن مقعد القيادة.. إلا أنه لذلك يوجد الحزب، مصنع العنف الهيكلي وصاحب البرامج التي تحول الوعي المادي لوعي تاريخي.

هنالك أيضا الطبقة السياسية. أنا أرى أن هذا الفصل مهم. على الطبقة السياسية أن تفهم أن مصلحتها أن تدع للمجتمع المدني مساحته ثم تسعى للتحالف معه عبر البرامج وعبر أداء دورها في التحرك داخل الدولة حيث الأسس القانونية والكوادر المدربة على السياسة الاحترافية. محاولة الطبقة السياسية للاندماج في المجتمع المدني، تؤدي لقتل قدرة المجتمع على التنظيم “ماديا”. إذ يتحول أساس التنظيم من المصلحة المادية للنطاق العقدي/العرقي. وذلك يقتل مساحة الوحدة الوطنية الضرورية لأي “عقد اجتماعي ديمقراطي”.

  1. هل رحل نظام البشير؟

الإجابة: يمكنك القول بأنه يحكم السودان الآن تحالف بين أضداد. هنالك تحالف قوى الحرية والتغيير وهو تحالف بعمومه “حداثي”، “تقدمي” نوعا ما. يستند هذا التحالف على قوى البرجوازية الصغيرة الحية، وأيضا لحد ما على مؤسسات المجتمع المدني الأكثر قاعدية. بصورة عامة يؤيد السودانيون هذا التحالف بصفته أمل تحول السودان لدولة ديمقراطية. هذا التحالف صنع حكومة تكنوقراط بقيادة عبد الله حمدوك و هو إداري بمهارات قيادية لا تخطئها العين. وله شعبية كبيرة حتى الآن.

هنالك في المقابل المنظومة العسكرية. بحليفها حميدتي وقوات الدعم السريع. الشق العسكري يمثل مصالح دولة الإنقاذ بشكلها الشامل. فدولة الإنقاذ لم تكن فقط حزب البشير أو شخصه. هي تحالف مصالح واسع، له امتداداته في الخارج. فكر فقط في النظام الزراعي السوداني والأموال والارتباطات التي تنظمه. تلك طبقة لها مصالح واسعة وهي وحلفاءها السعوديون، الإماراتيون، القطريون، لا ترغب في التخلي عن هذه المصالح. أحد أعمدة الترتيبات الأمنية التي أدت لتشكل النظام العسكري الجديد هو صلاح قوش مدير المخابرات السابق. وهو ما يزال حرا طليقا وبإمكانه السفر كذلك.

أما نظام البشير بمعنى الحلقات الإسلامية القريبة من البشير فهي قطعا خارج السلطة. ولكنها ما تزال حية وفاعلة خاصة مع ظهور استقطاب علماني إسلامي ربما يمنحها سندا اجتماعيا للظهور من جديد في أواني جديدة.

مصدر الصورة : صفحات الفيس بوك
  1. كيف تعامل الحراك مع ملف الشهداء والجرحى ومختلف ضحايا حقوق الإنسان ؟

الإجابة: لا أدري كيف تعامل مع “الملف”. هنالك أمور كثيرة عالقة مثل ملف المخفيين. والعدالة الانتقالية تم إجهاضها بغرض تحقيق الاتفاق. ما أعرفه، عموما، هو أن مرحلة تحول موت السودانيين لحدث “طبيعي” انتهت. هنالك وعي إنساني صاحب الثورة، مفاده بأن قتلى الثورة ثقل أبدي على كاهل الامة. الشاعرة نجلاء التوم كتبت ما أعتبره سؤال الثورة الوحيد وشعرها الحق: كيف نفكر فيمن يبني لنا المستقبل عبر الرحيل عنه؟ … أنا بدوري لحظة التعليق على هذا السؤال تصيبني حالة من غثيان عندما أتذكر صور شهيد الاعتصام وهو يسير ملطخا بالدم قبل أن يتقهقر. في النهاية نحن بشر من لحم ودم، حتى وإن سمت أرواحنا رغبة في فداء الوطن فإن للأجساد حدود. لكن لا يظن أحد أن هذه المشاعر الليبرالية هي نهاية القصة. هنالك اتفاق ضمني بأن يبقى “الملف” مفتوحا لحين. من كل شعارات الثورة التي جادت بها الجماهير تأجل شعار واحد: الدم قصاجه الدم. ما بنقبل الدية. وأنا أعتقد أن الكثيرين في السودان يصرون على أنه “تأجل”. في النهاية وفي الإطار النظري فإن العنف الذي يؤسس الدولة لم تنته حلقاته بعد.

 

مصدر الصورة : صفحات الفيس بوك

 

  1. مر الملف السوداني بمرحلة صعبة رضختم حينها للجلوس مع العسكر على طاولة الحوار ، بما خرجتم من تلك المفاوضات من حيث المكاسب والتنازلات ؟

الإجابة: العسكر رضخوا عندما جلسوا على طاولة المفاوضات. هم فضلوا قتل مئات السودانيين في يوم واحد، رغم ما يستصحب ذلك من خطر التفكك الكامل للدولة، على أن يوقعوا على نصف الاتفاق هذا. أنا أحاول أن أضع الأمور في سياقها. هل كان بالإمكان الوصول لخيار أفضل؟ نعم. لكن ما حدث ليس بقليل.

المكاسب هي فرصة التفكيك التدريجي لبقايا الدولة القديمة، عبر ترسيخ نظام ديمقراطي (وجدانيا، وعبر التنظيمات المدنية، وتقوية الأحزاب السياسية) بحيث تصبح العودة منه مستحيلة. ثم إتمام عملية التفكيك. وهذا الخيار أصبح حقيقة. فرص تحقيق السلام زادت عبر هذا الاتفاق. والمجتمع السوداني المنهك بحرب داخلية شرسة هو شيء مختلف عن المجتمع الذي تجاوز مرحلة الحرب.

التنازلات كانت في مقدار السلطة التي منحت لأمير حرب خارج نطاق الدولة. ذلك تهديد وجودي على كل السودان.

 

                                                          مصدر الصورة : صفحات الفيس بوك

 

  1. كيف كانت نظرة الحراك للوساطة الافريقية التي قادها المبعوث الموريتاني محمد الحسن ولد لبات ؟
                                                              مصدر الصورة : موقع al-ain.com

الإجابة: الحقيقة لا أستطيع التعليق على الوسيط الموريتاني تحديدا. قد تحتاجون شخصا أكثر إلماما بالتفاصيل مني. لكن عموما، استقبل السودانيون الإخوة الأفارقة بثقة يجب أن لا نغفل المعنى الذي تحمله. مشروع الوحدة الإفريقية هو مشروع حي في لاوعي الشعوب على الأقل. وذلك أحيانا أهم من الوعي. نحن نعلم أن لبقية الأفارقة (حتى حكوماتهم البرجوازية) مصلحة حقيقية في استقرار السودان. بلدنا بالنسبة لأمراء الخليج المقيتين، أو بالنسبة للأوروبيين أو الأمريكان هو مجرد مساحة “جيو إستراتيجية” بعيدة. أما بالنسبة لإثيوبيا فهو مصير مشترك. ومن ناحية مواجهة الحروب الأهلية ومشاكل الفقر والديون والهجرة الجماعية، والشعور بأننا شعوب متروكة لمصير بائس في ظل العولمة.. من هذه الناحية فأنت ستلتقي مع الكثير من الأفارقة في شكل حاضر/تاريخ/مصير مشترك. كل ذلك جعل الوساطة الإفريقية محورية وناجحة.

  1. أين هو الحراك اليوم وما هي استراتيجيه في المدى المتوسط والبعيد ؟

الإجابة: هنالك ثلاث قوى اليوم: قحت  (حكومة حمدوك)، العسكر، الحركات المسلحة. وهناك قوى ثانوية لكنها خطيرة، مثل بقايا النظام والإسلاميين المبعدين من العملية السياسية. هذا على الصعيد الداخلي.

على الصعيد الخارجي هنالك القوى الخليجية وهي قوى باستراتيجية مترددة غير واضحة وخطيرة لأنها ضد ديمقراطية، وبإمكانها التحالف مع أشياء مثل قوات الدعم السريع.

هنالك أيضا المنظومة الدولية بقيادة الولايات المتحدة. وهذه لها مصالح واضحة في تحويل الاقتصاد السوداني لاقتصاد نيوليبرالي، مع وجود ديمقراطية تضمن استقرار البلد والإقليم. (ما دامت هذه الديمقراطية تحت السيطرة).

 

الشق المدني في الحكم بإمكانه استعمال قدرته على التحالف مع الغرب لتثبيت حكمه المدني ديمقراطيا. وهذا هو أفضل خيار متاح. خاصة إذا ما تكللت مساعي رفع السودان من قائمة الإرهاب بالنجاح. ثم تمكنت الحكومة المدنية من تحقيق السلام. في هذه الحالة سيكون على العسكر العودة لمكانه خارج السياسة المباشرة لضمان استقرار البلد وبالتالي استفادة حاضنتهم المجتمعية من ثمرات الانفتاح الاقتصادي. وبقية الامتيازات.

 

هنالك عدة مهددات:

  1. أن لا يرفع السودان من قائمة الإرهاب. وبالتالي تستمر العزلة الاقتصادية.
  2. أن تتفجر الأوضاع الداخلية على خط الصراع إسلامي/علماني.. وبالتالي تضعف حكومة قحت.
  3. أن تفشل عملية السلام.

كل ذلك هو خارج إطار الفعل القاعدي. ما يمكن للناس فعله هو تقوية التنظيم المدني على الأساس المادي والاستمرار في التعبئة والحشد من اجل الديمقراطية. في هذه الحالة فإنه، وكما علمتنا الثورة، فإن هذا الشق المنسي، سيكون القوة المحددة الرئيسية للمستقبل. والشعوب هي مصدر القوة، متى تحركت بصورة سليمة.

القادم بوست

توقيع اتفاقية ستوفر 526 فرصة عمل و 300 فرصة تكوين

الأربعاء يناير 15 , 2020
تم بحضور وزير التعليم الثانوي والتكوين التقني والمهني […]
الكسب من النت