نهاية فرنك سيفا والحقائق البديلة !

بقلم / إدريس آيات- قسم العلوم السياسية -جامعة الكويت

بعد 46 سنة من النضال والخصام ، أمس 21 ديسمبر 2019 في تغطية إعلامية مثيرة للجدل ، صرّحَ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ونظيره رئيس ساحل العاج الحسن وترا ببداية العهد الجديد للعملة الموحدة لغرب أفريقيا .

استناداً لهذا التصريح ، ‏من الآن فصاعدًا لن تستخدم كل من دولة بنين وبوركينا فاسو وكوت ديفوار ودولة مالي والنيجر والسنغال ودولة توغو الفرنك الأفريقي سيفا. ونظراً لمعرفتنا الميزات التي تتمتع بها فرنسا لسيطرتها على عملة فرنك سيفا  ، يترتّبُ علينا أن نقوم بتشريح تكتيكي للإيقاف على جدية الأمر، أهي نهاية حقبة الاستعمار العُمْلاتِي أم هو فخ جديد؟

 

يفرض علينا الطرح الموضوعي للإجابة على هذا التساؤل، ترقيم التنازلات الفرنسية والبدائل التي اكتسبتها.!

 

البنود الجديدة لعملة إيكو والتنازلات الفرنسية:

 

– قررت فرنسا التخلي عن التسمية التي توحي بحقبة استعمارية، فمعنى سيفا، بالفرنسي: CFA franc des colonies française de l’Afrique، أي ( فرنك المستعمرات الفرنسية في أفريقيا) والتي تغيرت أعني التسمية، لتصبح عملة الفرنك الأفريقي. نظرًا أن المعارضين للعملة لعبوا على وتيرة العواطف بذكر الماضي الاستعماري المعيب للتسمية، وجب التنازل.

 

– تنازلت فرنسا عن ” إجبارية” إيداع 50% من احتياطات تلك الدول في البنك المركزي الفرنسي ما يعني عملياً، يمكن لتلك الدول الاستفادة من تلك الاحتياطات في ميزانيتها الوطنية بعد بدأ المعاملة مع “إيكو”.

– كما تنازلت تباعًا لما ذكرنا آنفًا ، حذف حسابات المعاملات النقدية المركزية أيضا بفرنسا (la suppression des comptes d’opération monétaire ).

– كما أنّه حسب البنود سيسحب ماكرون ممثل فرنسا في مجلس الإدارة التابعة للاتحاد النقدي لدول غرب أفريقيا . وكان الممثل الفرنسي له حق الفيتو في كل شيء، كان يستخدم حق الرفض في كل كل ما يضر بمصالح فرنسا.

– إضافةً إلى ما سبق، عندما تشكل الإدارة الجديدة لعملة ” إيكو” لن تعين فرنسا ممثلاً لا في مجلس الإدارة ، ولا في المجلس السياسي النقدي المركزي، ولن تكون لها ممثل في اللجنة المصرفية للاتحاد. وهذه كانت حقوق مكفولة لها في البنود القديمة حسب اتفاقيات الاستعمار منذ سنة تدشين العملة من قبل الجنرال شارل ديغول عام 1945. يجدر الإشارة إلى أنه في وقت مضى كانت فرنسا تُنْكرُ وجود ممثلين  لها في المجالس، وتوهم أنهم مجرد مراقبين. لا أنفك أكرر هذه الدولة تتعامل معنا بهزلية تامة ودائما.

 

ما تم سرده الآن هي أهم التنازلات في البنود الجديدة. يجدر الذكر أن الرئيس الفرنسي أكدّ أنه لا مانع لديها من مناقشة نقاط أخرى مع خبراء دول الاتحاد النقدي لغرب أفريقيا إذا ما أرادت النقاش والتفاوض مع وزير المالية الفرنسي من جديد.

 

بالمقابل ما هي البدائل التي حصلت عليها ، أو بتعبير أدق، مالميزات التي احتفظت بها فرنسا:ادريس آيات

 

– بطلب من الرئيس الإيفواري ووافق عليه برلمان إسكواس Ecowas Parliament ، ستبقى فرنسا هي الضامنة المالية ( garant financier) لعملة  ” إيكو”، كما كانت لعملة فرنك سيفا .

– كما أنه بإلحاحٍ من الرئيس الحسن وترا وبموافقة بقية الرؤساء تبقى عملة ” إيكو” مربوطة ب ” اليورو Euro”. وذهب تبريرهم لهذا الموقف أن قوة فرنك سيفا هو الصرف الثابت مع اليورو ، فاتفق رأي الرؤساء على تعديل وإصلاح كل العوائق المهينة والاحتفاظ بهذه الميزة.

في هذا التحليل أود أن ننحى منحًا مختلفًا في زاوية النظر.

المنحى الذي سأتبناه هو التدقيق في الألفاظ، فأهم شيء في فقرات بنود أي اتفاق، هو المصطلحات.

في وثائق حديثة ل 2017  ثبت أن اليابان فقدت مع فرنسا في قضية الموبايلات الإلكترونية لأركسون Ericson ما يقارب 1,3 تريليون دولار، لأجل مصطلح في فقرة لم ينتبه له الخبراء اليابانيون في المفاوضات. إذن

كل من قرأ البنود وشاهد التغطية الإعلامية، استمع إلى كلمة” Réforme ” وتعني ” إصلاح”

الشعب الأفريقي طوال النضال والأنشطة التوعوية النوعية منها والكمية أوالكيفية التي شملت الحوارات،  والاحتجاجات -وحتى حرق العملة أحيانًا- طلب ولا يزال يطالب بالتخلي عن عملة فرنك سيفا وليس إصلاحها كعملة، ليس التخلي كالإصلاح!.

صبيحة اليوم ، نزّل برلمان إيكواس بياناً يؤيد فيه ضمنياًالاتفاقية. وهي اتفاقية سيوقعها وزير المالية والتمويل الفرنسي مع وزير المالية لدولة بنين. ورئيس مكتب مجلس الوزراء للاتحاد النقدي لدول غرب أفريقيا الاقتصادي والنقدي. (إيموا UEMOA)، رومالد واداغيني  Romuald Wadagni.

الآن معشر القراء، دققوا معي،  لننظر إلى الأمر من زاوية أخرى.

في فرنسا لو قرر الرئيس إجراء مصالحة على عملة ” يورو” يترتب عليه الرجوع للبرلمان الفرنسي ومناقشته مع الشعب الفرنسي أولا، لماذا لم يتم إدخال الشعب الأفريقي في القرارات ؟! مثلا، بتنظيم حوارات وطنية واستفتاءات شعبية، هل الديمقراطيات الأوروبية أهم من ديمقراطيات أفريقيا؟ الجواب لأنهم يعرفون أن الشعب لن يرضى على هكذا بنود التي تشبه لعبة خيال وتغيير ألوان لا أكثر.

بالمناسبة، ليس بفرنسا فحسب، بل في كل ديمقراطية محترمة يلزمهم إجراء حوار مع الشعب قبل أي إصلاح، لكن في هذه اللعبة قررت فرنسا أن تلهمنا أن الرؤساء هم من اختاروا برضى شعبهم. نحن نعرف أنهم عملاء ومن ثَمَّ، لا يمثلونا. هذه المسرحية بين وترا وماكرون فانتازية سياسية لا أكثر. هذا ال “وترا ” الرجل الذي في آخر زيارته لفرنسا قرر -ومن دون أن يبادره أحدٌ بالسؤال -، أن يدافع عن الفرنك الفرنسي ، يأتي اليوم فجأة ليقول هي عملةتحتاج إلى إصلاح؟. يا ناس هم مجرد قطيع وفرنسا هي الراعي.

…..

الآن ما موقفي الشخصي من هذا الحدث التاريخي؟

بعدما رصدت لكم تجليات التباين في البنود والتصريحات،: لن أكون رسول شؤم وبؤس. لست مع من يقول: إنّه مجرد تغيير في الاسم، لا شيء سيتغير”. كل من قرأ التنازلات يفهم أنه أكبر من مجرد تغيير للإسم.

الحل، من وجهة نظري ، أنَّ هذه المبادرة من الطرفين تمثّل الأرومة التي يمكن بناء استقلال عملاتي حقيقي عليها.

كيف ؟ سأخبركم.

اعتاد الأفارقة في كل مفاوضة مع فرنسا الحصول على نصف ماطلبوا أو الثلث أحيانًا. ففي عهد الاستقلال طلبوه كاملًا، لكن جنرال ديغول وهبهم استقلال صُوَري فقط، نصف استقلال، أو وهم استقلال إن أردت.

لكن أتفهم جيل الأجداد كان وعيهم قاصر قصير ومحدود. نحن اليوم ليس علينا أن نُصيّه كل جهود السنوات الماضية لنقول: “لا نريد لا سيفا ولا إيكو”. هذه  في تكتيك التفاوض ساذج، علينا أن نلعب نفس لعبة التنازلات معهم.

جِيْلنا ليس غبياً ولا ساذجاً. درسنا في أحسن الجامعات مع الأوروبيين( أحيانًا متفوقين عليهم) حصلنا على نفس التحصيل العلمي نفس الشهادات، يجب أن نرجع إلى الطاولة ونحصل على قسمة وتفاوض جديد يحقق غرضنا ومصالحنا، إنْ تركنا هذه الفرصة متى سنتفاوض من جديد؟ ماذا لو وصل رئيس فرنسي ليس له مرونة ماكرون أو هو أكثر إمبريالية منه؟. في السياسة كل تفاوض لم يأتي بعد ثورة جزرية، مستحيل تحقيق مكسب 100% فيه، لابد من تقديم تنازلات. هكذا تقول لغة البراغماتية.

الحل كما أرى نطالب ب:

– مغادرة فرنسا إجراءات العملة الجديدة وليس البقاء كضامنة للعملة، لا نريد لا ضمانها ولا وصايتها علينا.

– نرغب بالتخلي عن عملة فرنك سيفا وليس إصلاحها، ونرغب معانقة عملة ” إيكو” بكامل إدارة سيدياهو وبنك مركزيتها.

– نريد أن تتولى إداراة سيدياهو مهام صكّ العملة وليست فرنسا، ونريد أن تطبع الأوراق والعملة في دولة أفريقية وبالأحرى ، نيجيريا.

 

بتلخيص بسيط وتعبير أكثر صراحةً:

– إيكو التي عدّها خبراء سيدياهو : نعم نحن معها.

– إيكو: التي تعتبر إصلاحا لفرنك سيفا: لا نحن ضدها.

 

لأنني أضمن لكم تحت الظروف والبنود الحالية لن تنضم إلينا لا غانا ولا نيجيريا، هما رفضتا أن تجْثوَا للعدو منذ حين.

 

 

المصدر : صفحة الكاتب على الفيس بوك

 

القادم بوست

لماذا لا يتم التحقيق فى صفقة السنوسى البالغة (200 ) مليون دولار؟

الأثنين ديسمبر 23 , 2019
بقلم/ المحامى محمد سيدى محمد المهدى منذ فترة […]
الكسب من النت